صاعد الأندلسي
335
التعريف بطبقات الأمم
يعدّ القاضي صاعد الأندلسي مؤسس علم الأقوام أو الإثنولوجيا ( ygolonhtE ) الخاص بمعرفة الأعراق البشرية ، وعلم الإنسان أو الإنثروبولوجيا ( ygoloporhtnA ) الذي يبحث في أصل الجنس البشري وتطوره ومعتقداته وتقاليده ، كما يعدّ صاحب ومدرسة فكرية متقدمة في كيفية تدوين تاريخ الأمم والشعوب ومعالجته . فقد انصب اهتمامه في كتابه هذا - كسلفه المسعودي - على بلورة الجانب الثقافي والعمراني عوضا عن الوقائع السياسية ، فيتناول قضايا هامة وجديدة مثل العلاقة بين الطبيعة وتاريخ الإنسان البشري ، والموازنة بين أدوار حياة النبات والحيوان والغرائز البشرية ، والمزج بين الأفكار الفلسفية والعلوم الطبيعية - كمعاصره أبي ريحان البيروني - بالتاريخ ، لكنه يبزه في كتابه التعريف بطبقات الأمم الذي يعدّ أكثر شمولية وتقنية من كتاب البيروني تحقيق ماللهند « 1 » . . . ولا شك في أن القاضي صاعد الأندلسي أول عالم ومؤرخ مسلم ألف كتابا مستقلا مفصلا في معرفة الأقوام والأمم « 2 » . وقد تناول فيه الأمم القديمة وكيانهم حيث أولى اهتماما بالغا باللغة وعدّها العامل الأول في اختلاف الأمم وتكوينهم ، ثم أدرج المملكة الموحدة أو الحكومة الواحدة في المرتبة الثانية . لم يكتف صاعد الأندلسي بكتابه التعريف بطبقات الأمم الذي تناول فيه علم الأقوام ومعرفة الإنسان بصورة عامة وشاملة بل انبرى إلى تأليف كتاب آخر باسم جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم خصّه بالتاريخ العام للأقوام والأمم البشرية وانصب جلّ اهتمامه فيه على تقسيم الأقوام وتصنيفهم وميزات كل قوم وخصائص كل أمة . وفي هذا الكتاب أيضا نجده يمتاز بفكر واع وثقافة اجتماعية تنمّ عن مساعيه المضنية في سبر أغوار القضايا الاجتماعية والتاريخ العام للأمم ، فقد سبق صاعد الأندلسي مؤرخون عظام في الأندلس الغراء ومنهم : أبو الوليد عبد الله بن محمد الفرضي ( 324 - 404 ق / 963 - 1013 م ) الذي ألّف كتاب تاريخ علماء الأندلس ، وأبو مروان حيّان بن خلف بن حسين بن حيّان ( 378 - 464 ق / 988 - 1072 م ) الذي ألّف المقتبس في تاريخ الأندلس إلا أن صاعدا كان أكثر تفوقا من جلّ مؤرخي الأندلس « 3 » . وقد عرّف صاعد الأندلسي في التعريف بطبقات الأمم بكتابه الآخر الموسوم ب جوامع أخبار
--> ( 1 ) . محسن مهدى ، فلسفة تاريخ ابن خلدون ، ص 184 . ( 2 ) . زيدان ، طبقات الأمم ، ص 4 . ( 3 ) . آلدوميهلي ، العلم عند العرب وأثره في تطوّر العلم العالمي ، ص 361 .